محمد جمال الدين القاسمي
373
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الوجود ، فكيف يجوز على الله - وهو أحكم الحاكمين - بأن يكلف الأمة - وهي في دور طفوليتها - بما لا تتحمله إلّا في دور شبوبيتها وكهولتها . . . ؟ وأي الأمرين أفضل : أشرعنا الذي سنّ اللّه لنا حدوده بنفسه ، ونسخ منه ما أراد بعلمه ، وأتمه - بحيث لا يستطيع الإنس والجن أن ينقضوا حرفا منه - لانطباقه على كل زمان ومكان ، وعدم مجافاته لأي حالة من حالات الإنسان . . ؟ ! أم شرائع دينية أخرى ، حرّفها كهانها ، ونسخ الوجود أحكامها - بحيث يستحيل العمل بها - لمنافاتها لمقتضيات الحياة البشرية من كل وجه . . . ؟ ! الثاني : أسلفنا - في مقدمة التفسير - إلى أن النسخ باصطلاح السلف أعم منه في اصطلاح الخلف ، بما ينبغي مراجعته . . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 108 ] أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ( 108 ) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ أَمْ هنا ، إما متصلة معادلة للهمزة في أَ لَمْ تَعْلَمْ أي ألم تعلموا أنه مالك الأمور ، قادر على الأشياء كلها ، يأمر وينهى كما أراد . . . أم تعلموا وتقترحون بالسؤال - كلما اقترحت اليهود على موسى عليه السّلام ؟ وإما منقطعة - بمعنى بل - للإضراب والانتقال عن حملهم على العمل بموجب علمهم بما ذكر عند ظهور بعض مخايل المساهلة منهم في ذلك ، وأمارات التأثّر من أقاويل الكفرة ، إلى التحذير من ذلك . ومعنى ( الهمزة ) إنكار وقوع الإرادة منهم ، واستبعاده . لما أن قضيّة الإيمان وازعة عنها . وتوجيه الإنكار إلى الإرادة - دون متعلّقها - للمبالغة في إنكاره واستبعاده ، ببيان أنه مما لا يصدر عن العاقل إرادته . فضلا عن صدور نفسه ، وقوله وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ أي : يختره ، ويأخذه لنفسه بِالْإِيمانِ . بمقابلته بدلا منه فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أي عدل عن الصراط المستقيم . جملة مستقلة مشتملة على حكم كلّي أخرجت مخرج المثل جيء بها لتأكيد النهي عن الاقتراح المفهوم من قوله أَمْ تُرِيدُونَ إلخ ، معطوفة عليه . ومعنى الآية لا تقترحوا فتضلوا وسط السبيل ويؤدي بكم الضلال إلى البعد عن المقصد وتبديل الكفر بالإيمان . فظهر وجه ذكر قوله أَمْ تُرِيدُونَ إلخ بعد قوله تعالى ما نَنْسَخْ . فإن المقصود من كل منهما تثبيتهم على الآيات وتوصيتهم بالثقة بها .